أحمد بن محمد القسطلاني
101
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
ثم قال عمر ) : لهن ( يا عدوات أنفسهن أتهبنني ولا تهبن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؟ فقلن : نعم أنت أفظ وأغلظ من رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) بمعجمة فيهما من الفظاظة والغلظة بصيغة أفعل التفضيل المقتضية للشركة في أصل الفعل ، لكن يعارضه قوله تعالى : { ولو كنت فظًّا غليظ القلب لانفضوا من حولك } [ آل عمران : 159 ] وأجيب : بأن الذي في الآية يقتضي نفي وجود ذلك له صفة لازمة له فلا يستلزم ما في الحديث بل مجرد وجود الصفة له في بعض الأحوال كإنكار المنكر مثلاً ، وقد كان عليه الصلاة والسلام لا يواجه أحدًا بما يكره إلا في حق من حقوق الله عز وجل ، وكان عمر مبالغًا في الزجر عن المكروهات مطلقًا وفي طلب المندوبات كلها فمن ثم قال النسوة له ذلك . ( فقال له رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِيهًا يا ابن الخطاب ) بكسر الهمزة وسكون التحتية منونًا منصوبًا قال في الفتح : وهي روايتنا أي لا تبتدئنا بحديث ، ولأبوي الوقت وذر : إيه بالكسر والتنوين أي حدّثنا ما شئت فكأنه يقول : أقبل على حديث نعهده منك أو على أي حديث كان ، وأعرض عن الإنكار عليهن . وحكى السفاقسي إيه بكسرة واحدة في الهاء وقال : معناه كلف عن لومهن . وقال في القاموس : إيه بكسر الهمزة والهاء وفتحها وتنون المكسورة كلمة استزادة واستنطاق ، وإيه بإسكان الهاء جر بمعنى حسبك وإيه مبنية على الكسر فإذا وصلت نونت ، وايهًا بالنصب وبالفتح أمر بالسكوت اه - . وقال في المصابيح : فإن قلت : قد صرحوا بأن ما نون من أسماء الأفعال نكرة وما لم ينون منها معرفة ، فعلى كونها معرفة فمن أي أقسام المعارف هي ؟ وأجاب : بأن ابن الحاجب في إيضاحه على المفصل قال : إنه ينبغي إذا حكم بالتعريف أن تكون أعلامًا مسمياتها الفعل الذي هي بمعناه فتكون علمًا لمفعوليته وإذا حكم بالتنكير أن تكون لواحد من آحاد الفعل الذي يتعدد اللفظ به ، واختلف حينئذٍ المعنى بالاعتبارين فصه بدون تنوين كأسامة وبالتنوين كأسد . وقال في شرح المشكاة : لا شك أن الأمر بتوقيره - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مطلوب لذاته تجب الاستزادة منه فكان قول رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إيه استزادة منه في طلب توقيره ، وتعظيم جانبه ، ولذلك عقبه بما يدل على استرضاء ليس بعده استرضاء إحمادًا منه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لفعاله كلها لا سيما هذه الفعلة حيث قال : ( والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان سالكًا فجًّا ) بفتح الفاء والجيم المشددة أي طريقًا واسعًا ( قط إلا سلك فجًّا غير فجك ) أي لشدة بأسه خوفًا من أن يفعل به شيئًا فهو على ظاهره أو هو على طريق ضرب المثل ، وأن عمر فارق سبيل الشيطان وسلك سبيل السداد فخالف كل ما يحبه الشيطان قاله عياض . والأول أولى ، وهذا لا يقتضي عصمته لأنه ليس فيه إلا فرار الشيطان منه أن يشاركه في طريق يسلكها ولا يمنع ذلك من وسوسته له بحسب ما تصل قدرته إليه . وهذا الحديث سبق في باب صفة إبليس وجنوده . 3684 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا قَيْسٌ قَالَ : قَالَ عَبْدُ اللَّهِ : " مَا زِلْنَا أَعِزَّةً مُنْذُ أَسْلَمَ عُمَرُ " . [ الحديث 3684 - طرفه في : 3863 ] . وبه قال : ( حدّثنا محمد بن المثنى ) العنزي الزمن البصري قال ( حدّثنا يحيى ) بن سعيد القطان ( عن إسماعيل ) بن أبي خالد أنه قال : ( حدّثنا قيس ) هو ابن أبي حازم ( قال : قال عبد الله ) هو ابن مسعود - رضي الله عنه - ( ما زلنا أعزة ) في الدين ( منذ ) بالنون ( أسلم عمر ) بن الخطاب - رضي الله عنه - ، وكان إسلامه بعد حمزة بثلاثة أيام بدعوته - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " اللهم أعز الإسلام بأبي جهل أو بعمر بن الخطاب " . وعند الترمذي من حديث ابن عمر بإسناد صحيح وصححه ابن حبان " اللهم أعز الإسلام بأحب الرجلين إليك بأبي جهل أو بعمر " قال : فكان أحبهما إليه عمر ، وعند ابن أبي شيبة من حديث ابن مسعود كان إسلام عمر عزًا وهجرته نصرًا وإمارته رحمة ، والله ما استطعنا أن نصلي حول البيت ظاهرين حتى أسلم عمر ، وعند ابن سعد من حديث صهيب قال : لما أسلم عمر قال المشركون : انتصب القوم منا . وحديث الباب أخرجه أيضًا في إسلام عمر . 3685 - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ سَعِيدٍ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ : " وُضِعَ عُمَرُ عَلَى سَرِيرِهِ ، فَتَكَنَّفَهُ النَّاسُ يَدْعُونَ وَيُصَلُّونَ قَبْلَ أَنْ يُرْفَعَ - وَأَنَا فِيهِمْ - فَلَمْ يَرُعْنِي إِلاَّ رَجُلٌ آخِذٌ مَنْكِبِي ، فَإِذَا عَلِيٌّ بْن أَبِي طَالِب ، فَتَرَحَّمَ عَلَى عُمَرَ ، وَقَالَ : مَا خَلَّفْتَ أَحَدًا أَحَبَّ إِلَىَّ أَنْ أَلْقَى اللَّهَ بِمِثْلِ عَمَلِهِ مِنْكَ . وَايْمُ اللَّهِ إِنْ كُنْتُ لأَظُنُّ أَنْ يَجْعَلَكَ اللَّهُ مَعَ صَاحِبَيْكَ ، وَحَسِبْتُ أَنِّي كُنْتُ كَثِيرًا أَسْمَعُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : ذَهَبْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ، وَدَخَلْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ، وَخَرَجْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ " . وبه قال : ( حدّثنا عبدان ) هو لقب عبد الله بن عثمان بن جبلة قال : ( أخبرنا عبد الله ) بن المبارك